
قال الإمام علي(ع) في وصف الموت: فَإِنَّ الْمَوْتَ هَادِمُ لَذَّاتِكُمْ، وَمُكَدِّرُ شَهَوَاتِكُمْ، وَمُبَاعِدُ طِيَّاتِِكُمْ، زَائِرٌ غَيْرُ مَحْبُوبٍ، وَقِرْنٌ غَيْرُ مَغْلُوبٍ، وَوَاترٌ غَيْرُ مَطْلُوبٍ، قَدْ أَعْلَقَتْكُمْ حَبَائِلُهُ، وَتَكَنَّفَتْكُمْ غَوَائِلُهُ، وَأَقْصَدَتْكُمْ مَعَابِلُهُ، وَعَظُمَتْ فِيكُمْ سَطْوَتُهُ، وَتَتَابَعَتْ عَلَيْكُمْ عَدْوَتُهُ، وَقَلَّتْ عَنْكُمْ نَبْوَتُهُ:
يا لها من كلمات عظيمات، وعبارات معبرات، تكشف لنا عن تفاصيل الحقيقة بأسلوب رسولي وألفاظ دقيقة، ولأجل هذا كانت معانيها عميقة.
وبحسب خبرتي الضئيلة وتجاربي الطويلة لم أعهد كلاماً يفوق هذا الكلام سوى كلام رب الأنام، ولذا لم يكن نهجاً للبلاغة فحسب، ولا مرجعاً للفصاحة فقط وإنما كان ما هو أكبر من ذلك حيث بلغ من العظمة مبلغاً لم يكن بالحسبان، واحتل رتبة عالية الشان فقهرت بلاغته بلاغة كل بليغ، وطغت فصاحته على فصاحة كل فصيح فكان بحق كما قال القائل لا فرق بينه وبين القرآن إلا أنه غير منزل.
وما نهج البلاغة سوى إفصاح عن مراد القرآن الخفي وإظهارٍ لما خفي بين السطور وما ارتكز خلف المسطور، فلم يدع شاردة إلا وبينها ولا واردة إلا وكشف عنها حيث طالت ألفاظه أصغر مخلوق لم تلحظه الأبصار ووصل في البيان إلى خارج حدود الأقطار فتحدث عن أصل الوجود المُظهر لقدرة المعبود، وأشار إلى نظام كل مخلوق على حده، وأشعلت كلماته مصابيح الهدى حيث رسم لنا طرق الفلاح وأنار سبل النجاح فنظر ببصيرته أكثر مما نظر ببصره فكان أعلم بطرق السماء من طرق الأرض.
لقد حدثنا القرآن عن كل ما نحتاجه للدنيا والآخرة من المسائل الحياتية والعقائدية، وكذا حذا الإمام حذو القرآن في البيان لأنه ممن أحاطوا بعلوم القرآن فكان أول الراسخين في العلم بعد ابن عمه الرسول(ص).
لقد اعتنى الإمام(ع) بمسائل العلم عمها وخاصها فتحدث في الفقه والعقيدة والموعظة والفلك والطبيعة والحيوان والإنسان والحياة والموت وما بعد الموت، وإن أكبر خسارة مُنيت بها البشرية هي أن كلماته لم ترد كلها، وخُطبَه لم يصل جلُّها، وما نهج البلاغة سوى جزء يسير مما صدر عن الإمام الذي قال متحسراً لكميل بن زياد: إنَّ هَاهُنَا لَعِلْماً جَمّاً (وَ أَشَارَ إلَي صَدْرِهِ) لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةً:
أما حديث نهج البلاغة عن الموت فإنه كثير جداً حيث تكلم عنه في العديد من خطبه وحكمه لأنه محور هذه الحياة، فقد كشف(ع) عن أدق تفاصيل تلك المرحلة التي سيُقدم عليها المخلوقون جميعهم، ولذا فإنني ومن باب الإستفادة سوف أعقد أكثر من بحث حول حقيقة الموت وما بعده بحسب ما ورد في نهج البلاغة، وأرى أن ذلك فرصة كبيرة للتعرف على الكثير من الحقائق والتفاصيل التي يجب على كل عاقل أن يعرفها، ومن تلك العبارات النورانية ما ذكرته في أول البحث وهي قوله(ع): فَإِنَّ الْمَوْتَ هَادِمُ لَذَّاتِِكُمْ، وَمُكَدِّرُ شَهَوَاتِكُمْ، وَمُبَاعِدُ طِيَّاتِِكُمْ، زَائِرٌ غَيْرُ مَحْبُوبٍ، وَقِرْنٌ غَيْرُ مَغْلُوبٍ:
أيها الأعزاء إن مجموعة من الناس يغفلون عن الموت نسياناً، ومجموعات يغفلون عنه تناسياً إما لعدم الإيمان بالهدف منه ومن الحياة قبله، وإما لظنهم ببعده عن ساحاتهم مع أنه أقرب شيء لهم فهو كالظل لكل ذوي الأرواح فلا أحد منا يعلم وقت حضوره ومكان حلوله ولعل هذا ما أشير إليه بقوله سبحانه(وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ)
فالموت كما قال الإمام(ع) هادم اللذات، وأنا أفهم لمعنى هدم اللذات معنيين كلاهما ينسجمان مع واقع الموت، فبالموت يتوقف الجسد عن الحركة ولا يشعر بشيء مادي أبداً لا بلذة ولا بألم ولا بأي حس آخر، وبهذه العملية تُهدم اللذات، هذا أحد المعنيين، وأما المعنى الثاني فهو التاُير الإيجابي على الإنسان الذي يذكر الموت أو يُذكر عنده الموت أو يرى بعض الأموات لأن هذه الإحتمالات الثلاثة إن تحققت كلها أو تحقق بعضها فسوف تذكّر الإنسان بالمصير المحتوم وبانتهاء الفرصة المفتوحة له في مرحلة الحياة الدنيا فقط، وهذا ما من شأنه أن يدفع بالإنسان المؤمن إلى كمد اللذات المحرمة دون ما أحل الله منها حيث لا تتناقى اللذة المحللة مع ذكر الموت والقيامة والثواب والعقاب، فالموت وذكره يهدمان اللذات ويكدران الشهوات وهو سفر يباعد بين القوم، كما ويعبّر الإمام(ع) عن الموت بأنه زائر غير محبوب من قبل أكثر الناس سواء كان نفس من نزل عليه الحكم أو من هم حوله من أقربائه، ورغم كونه غير محبوب إلا أن الجميع مقهورون به ومجبورون عليه لأنه أمر بيد الله سبحانه وتعالى واهب الحياة وخالق الموت.
ويوجد في كلام الإمام هنا تعبير رائع وعميق حول حقيقة الموت حيث وصفه بقوله:وَوَاترٌ غَيْرُ مَطْلُوبٍ: فالواتر هو الجاني، والجاني لا بد له من محاكمة واقتصاص وعقاب، ولكن الموت جانٍ ولكن لا تطالبه العدالة الإلهية بشيء لأنه ينفذ الإرادة الإلهية في المخلوقين.
ثم يتابع الإمام وصفه للموت فيقول: قَدْ أَعْلَقَتْكُمْ حَبَائِلُهُ، وَتَكَنَّفَتْكُمْ غَوَائِلُهُ، وَأَقْصَدَتْكُمْ مَعَابِلُهُ، وَعَظُمَتْ فِيكُمْ سَطْوَتُهُ: معنى ذلك أننا وقعنا في مصيدة الموت وشباكه، وأحاطت بنا دواهيه ومصائبه، ورمانا بسهم فأصاب المقتل منا، وسوف يبقى كذلك حتى لا يبقى في الوجود سوى وجه الله عز وجل.
وبما أن الموت يطلبنا بشكل حثيث، وبما أنه غير مغلوب، وبما أنه يأتينا بغتة ولا يحمينا منه أية قوة في الوجود وجب الإستسلام لسلطته والعمل لما يخفف عنا سطوته وآثاره وعواقب ما بعده.



